الشهيد الأول

266

جامع البين من فوائد الشرحين ( موسوعة الشهيد الأول ج 16 و 17 )

وأمّا العقل ؛ فلأنّ فعل المأمور به مشروط بعلمه بالضرورة ؛ إذ الفعل الاختياري لا يصدر إلّاعن قصد سابق عليه ، وهو ممتنع من دون العلم ، ولأ نّه لولاه لما صحّ الاستدلال بإحكام أفعاله تعالى على علمه ، ولأنّ المطلوب من التكليف إيقاع الفعل المأمور به على وجه الطاعة والامتثال ، لقوله عليه السلام : « إنّما الأعمال بالنيّات » « 1 » . وامتناع ذلك من دون العلم بالأمر والمأمور به ظاهر ، فلو كلّف بالفعل حال الغفلة لزم التكليف بالمحال . احتجّوا بورود الأمر بمعرفة الله تعالى بقوله : « فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ » « 2 » ، فالمأمور بها إن كان عارفاً فتحصيل الحاصل ، أو الجمع بين المثلين ، وإن لم يكن امتنع منه معرفة أمر الله إيّاه بالمعرفة ؛ لاستحالة معرفة الأمر من دون معرفة الآمر ، فقد توجّه الأمر في حال يمتنع فيه العلم ، فلا يكون الأمر مشروطاً بالعلم ، ولأ نّه لو كان التكليف مشروطاً بعدم الغفلة لم يجب على الصبيّ والمجنون والنائم ضمان ما أتلفوه ، ولا وجبت الزكاة في أموالهم ، ولا أمر المميّز بالصلاة ، ولأ نّه لولاه لم يصحّ مخاطبة السكران بقوله تعالى : « لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى » « 3 » . والجواب : المعرفة واجبة عقلًا لا من الأمر المذكور . ويشكل بأنّ قضاء العقل بوجوب المعرفة لا ينافي ورود الأمر بها ، فإنّ كثيراً من الأحكام تثبت بالعقل والشرع ، وقد ورد في قوله : « فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ » « 4 » ، فيعود المحذور . والحقّ أنّ هذا الأمر لم يرد بمعرفة الله تعالى ، بل بمعرفة وحدانيّته تعالى ، ومعرفة الأمر والآمر لا تتوقّف على الوحدانيّة ، وبقي وحدانيّة الله تعالى معلومة للمكلّف من جهة التصوّر ، والمأمور به العلم التصديقي بها ، وليس ما ذكر تكليفاً

--> ( 1 ) . صحيح البخاري ، ج 1 ، ص 3 ، ح 1 ؛ سنن أبي داود ، ج 2 ، ص 262 ، ح 2201 ؛ سنن ابن ماجة ، ج 2 ، ص 1413 ، ح 4227 ؛ السنن الكبرى ، البيهقي ، ج 7 ، ص 558 ، ح 14996 . ( 2 ) . محمّد ( 47 ) : 19 . ( 3 ) . النساء ( 4 ) : 43 . ( 4 ) . محمّد ( 47 ) : 19 .